الفيض الكاشاني

354

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

أنس من كرّر على سمعه وصف شخص غائب عن عينه بالحسن في الخلق والخلق مطلقا من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما فليس محبّته كمحبّة المشاهد وليس الخبر كالمعاينة ، والعبّاد المواظبون على ذكر اللَّه تعالى بالقلب واللَّسان الَّذين صدقوا بما جاءت به الرّسل عليهم الصلاة والسلام بالإيمان التقليديّ ليس معهم من صفات اللَّه تعالى إلا أمور جمليّة اعتقدوها بتصديق من وصفها لهم ، والعارفون هم الَّذين شاهدوا ذلك الجمال والجلال بعين البصيرة الباطنة الَّتي هي أقوى من البصر الظاهر لا أنّ أحدا أحاط بكنه جلاله وجماله فإنّ ذلك غير مقدور لأحد من الخلق ولكن كلّ واحد شاهد بمقدار ما رفع له من الحجاب ، ولا نهاية لجمال الحضرة الرّبوبيّة ولا لحجبها وإنّما عدد حجبها الَّتي استحقّ أن تسمّى نورا وكاد أن يظنّ الواصل إليه أنّه قد تمّ وصوله إلى الأصل سبعون حجابا قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ للَّه تعالى سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ من أدرك بصره » ( 1 ) وتلك الحجب أيضا مترتّبة وتلك الأنوار متفاوتة في الرّتب تفاوت الشمس والقمر والكوكب ، ويبدو في الأوّل أصغرها ثمّ ما يليه وعليه أوّل بعض الصوفيّة درجات ما كان يظهر لإبراهيم عليه السّلام في ترقّيه وقال : « فلمّا جنّ عليه اللَّيل » أي أظلم عليه الأمر « رأى كوكبا » أي وصل إلى حجاب من حجب النور فعبّر عنه بالكوكب وما أريد به هذه الأجسام المضيئة فإنّ آحاد العوام لا يخفى عليهم أنّ الرّبوبيّة لا تليق بالأجسام بل يدركون ذلك بأوائل نظرهم فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السّلام والحجب المسمّاة أنوارا ما أريد به الضوء المحسوس بالبصر بل أريد به ما أريد بقوله تعالى « اللَّه نور السماوات والأرض - الآية - » ولنتجاوز هذه المعاني فإنّه خارجة عن علم المعاملة ولا يوصل إلى حقائقها إلا الكشف التابع للفكر الصافي ، وقلّ من يفتح له بابه والمتيسّر على جماهير الخلق الفكر فيما يفيد في علوم المعاملة وذلك أيضا ممّا يغزر فائدته ويعظم نفعه . فهذه الوظائف الأربعة أعني الدّعاء ، والذكر ، والقراءة ، والفكر ، ينبغي أن يكون وظيفة المريد بعد صلاة الصبح بل في كلّ ورد وبعد الفراغ من وظيفة الصلوات ،

--> ( 1 ) مر الخبر في المجلد الأول ص 271 .